أحمد عبد الفتاح زواوي

44

شمائل الرسول ( ص )

وتدبر أخي القارئ قول الإمام : ( من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة ) . فيجب على كل مسلم أن يقارن حاله مع أوامر الكتاب والسنة على ضوء هذه الكلمات الثلاث المباركات ، ويعمل على استيفائها على أحسن ما يكون حتى يضمن لنفسه كمال الإيمان بإذن اللّه - تعالى - . 4 - لم تكتف الآية باشتراط مجرد التحكيم لاستيفاء العبد صفة الإيمان ، ولكنها اشترطت شرطين ، هما : عدم وجود الحرج في القلب مع التسليم ، ولا يسعني هنا إلا أن أذكر الكلام الجميل النفيس الذي ذكره الشيخ السعدي - رحمه اللّه - في تفسير هذه الآية ، حيث قال ما نصه : ( ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج عن قلوبهم والضيق ، ولا يكفي في هذا التحكيم أن يكون على وجه الإغماض ، حتى يسلموا لحكمه تسليما بانشراح صدر وطمأنينة نفس وانقياد بالظاهر والباطن ، فالتحكيم في مقام الإسلام وانتفاء الحرج في مقام الإيمان والتسليم في مقام الإحسان ، فمن استكمل هذه المراتب وكمّلها فقد استكمل مراتب الدين كلها ، ومن ترك هذا التحكيم غير ملتزم له فهو كافر ، ومن تركه مع التزامه له فله حكم أمثاله من العاصين ) « 1 » . أي : أن نفي الإيمان المذكور في الآية لا يقصد به نفي كمال الإيمان ولكن نفي الإيمان أصلا كما ذكره الشيخ - رحمه اللّه - ، وهي الحالة التي لا يرضى فيها العبد بالتحكيم . الفائدة الثانية : سعة علم اللّه - سبحانه وتعالى - ، الذي أحاط بكل شيء ، فوسع مكنون الضمائر وما تخفيه السرائر ، التي لا يطلع عليها الجار من جاره ، ولا الزوج من زوجته ، ولا الأم من ابنتها ، ودليله من الآية أن اللّه - سبحانه وتعالى - رتب كمال الإيمان على عمل قلبي محض وهو التسليم ، ولولا علم اللّه - تعالى - بدقائق ما في القلوب ما اشترطت الآية هذا الشرط . الفائدة الثالثة : أثبتت الآية الكريمة للنبي صلى اللّه عليه وسلم كمال العدل البشري والحكمة وفهم المسائل في القضاء بين المتخاصمين ، حيث أوجبت الآية على كل مسلم الرضى بحكمه صلى اللّه عليه وسلم والتسليم له ، ولو أن في حكمه صلى اللّه عليه وسلم شيئا ( مهما دق وصغر ) منافيا لكمال العدل والحكمة لقال قائل إن اللّه - سبحانه وتعالى - قد حمّل العباد أكثر من طاقتهم ، وهذا ينافي ما وعد اللّه به عباده المؤمنين ، فكيف يأمر اللّه عزّ وجلّ العباد بالرضى والتسليم لأمر أو حكم يخالف العدل أو الحكمة أو الفهم الصحيح ، والذي أقصده من كمال العدل ، هو كمال العدل

--> ( 1 ) انظر تيسير الكريم الرحمن ، ( 185 ) .